علي بن محمد البغدادي الماوردي

291

أدب الدنيا والدين

وجدتها . وقال عبد اللّه بن مسعود : إن الرجل ليدخل على السلطان ومعه دينه فيخرج وما معه دينه قيل وكيف ذلك قال : يرضيه بما يسخط اللّه عز وجل . وسمع ابن الرومي رجلا يصف رجلا ويبالغ في مدحه فأنشأ يقول : إذا ما وصفت امرأ لامرئ * فلا تغل في وصفه واقصد فإنك أن تغل تغل الظنو * ن فيه إلى الأمد الأبعد فيضؤل من حيث عظمته * لفضل المغيب على المشهد ومن آدابه أن لا تبعثه الرغبة والرهبة على الاسترسال في وعد أو وعيد يعجز عنهما ولا يقدر على الوفاء بهما فإن من أطلق بهما لسانه وأرسل فيهما عنانه ولم يستثقل من القول ما يستثقله من العمل صار وعده نكثا ووعيده عجزا . وحكي أن سليمان بن داود عليهما السلام مر بعصفور يدور حول عصفورة فقال لأصحابه : هل تدرون ما يقول لها قالوا لا يا نبيّ اللّه قال : إنه يخطبها لنفسه ويقول لها زوّجيني نفسك أسكنك أيّ غرف دمشق شئت قال سليمان : كذب العصفور فإن غرف دمشق مبنية بالصخور لا يقدر أن يسكنها هناك ولكن كل خاطب كاذب . ومن آدابه أنه قال قولا حققه بفعله وإذا تكلم بكلام صدّقه بعمله فإن إرسال القول اختيار والعمل به اضطرار ولأن يفعل ما لم يقل أجمل من أن يقول ما لم يفعل . وقال بعض الحكماء : أحسن الكلام ما لا يحتاج فيه إلى الكلام أي يكتفي بالفعل من القول . وقال محمود الورّاق : القول ما صدّقه الفعل * والفعل ما وكده العقل لا يثبت القول إذا لم يكن * يقله من تحته الأصل ومن آدابه أن يراعي مخارج كلامه بحسب مقاصده وأغراضه فإن كان ترغيبا قرنه باللين واللطف وإن كان ترهيبا خلطه بالخشونة والعنف فإنّ لين اللفظ في الترهيب وخشونته في الترغيب خروج عن موضعهما وتعطيل للمقصود بهما فيصير الكلام لغوا والغرض المقصود لهوا . وقد قال أبو الأسود الدؤلي لابنه : يا بني إن كنت في قوم فلا تتكلم بكلام من هو فوقك فيمقتوك ولا بكلام من هو دونك فيزدروك . ومن آدابه أن لا يرفع بكلامه